العيني
128
عمدة القاري
تقديره : صلوا الصلاة وأدوها في الرحال ، وهو جمع : رحل ، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الإناث . أي : صلوها في منازلكم . قوله : ( فنظر القوم ) أي : نظر إنكار على تغيير وضع الأذان وتبديل الحيعلة بذلك ، وفي رواية الحجبي : كأنهم أنكروا ذلك ، وفي رواية أبي داود : ( استنكروا ذلك ) ، على ما ذكرناها آنفا . قوله : ( فقال ) أي : ابن عباس ، فعل هذا أشار به إلى ما أمر المؤذن أن يقول : الصلاة في الرحال ، موضع : حي على الصلاة . قوله : ( من هو خير منه ) كلمة : من ، في محل الرفع لأنه فاعل قوله : ( فعل ) ، والضمير في : منه ، يرجع إلى ابن عباس ، ومعناه : أمر به من هو خير من ابن عباس . وفي رواية الكشميهني : منهم ، ووجهه أن يرجع الضمير فيه إلى المؤذن والقوم جميعا . وقال بعضهم : وأما رواية الكشميهني ففيها نظر ، ولعل من أذن كانوا جماعة ، أو أراد جنس المؤذنين . قلت : في نظره نظر ، وتأويله بالوجهين غير صحيح . أما الأول : فلم يثبت أن من أذن كانوا جماعة ، وهذا احتمال بعيد ، لأن الأذان بالجماعة محدث . وأما الثاني ، فلأن الألف واللام في : المؤذن ، للعهد ، فكيف يجوز أن يراد الجنس وفي رواية الحجبي : ( من هو خير مني ) ، وكذا وقع في رواية مسلم وأبي داود . قوله : ( وإنها عزمة ) أي : إن الجمعة عزمة ، بسكون الزاي ، أي : واجبة متحتمة ، وجاء في بعض طرقه : إن الجمعة عزمة . فإن قلت : لَمْ يسبق ذكر الجمعة فكيف يعيده إليها ؟ قلت : قوله : ( خطبنا ) ، يدل على أنهم كانوا في الجمعة ، وقد صرح بذلك في رواية أبي داود ، حيث قال : ( إن الجمعة عزمة ) ، قوله في رواية أبي داود : ( أن أحرجكم ) ، بالحاء المهملة أي : كرهت أن أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر ، ويروى : ( أن أخرجكم ) بالخاء المعجمة من الإخراج ، ويروى : ( كرهت أن أؤثمكم ) أي : أكون سببا لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدوركم . ذكر ما يستفاد منه : قال التيمي : رخص الكلام في الأذان جماعة مستدلين بهذا الحديث منهم : أحمد بن حنبل . وحكى ابن المنذر الجواز مطلقا عن عروة وعطاء والحسن وقتادة ، وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي الكراهة ، وعن الثوري المنع ، وعن أبي حنيفة وصاحبيه خلاف الأولى ، وعليه يدل كلام الشافعي ومالك . وعن إسحاق بن راهويه : يكره إلاَّ أن كان يتعلق بالصلاة ، واختاره ابن المنذر وفيه : دلالة على فرضية الجمعة ، وأبعد بعض المالكية حيث قال : إن الجمعة ليست بفرض ، وإنما الفرض الظهر أو ما ينوب منابه ، والجماعة على خلافه ، وقال ابن التين : وحكى ابن أبي صفرة عن ( موطأ ابن وهب ) عن مالك : إن الجمعة سنة . قال : ولعله يريد في السفر ، ولا يحتج به . وفيه : تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار وإنها متأكدة إذا لم يكن عذر ، وقال الكرماني : وفيه : أن يقال : هذه الكلمة يعني : الصلاة في الرحال . في نفس الأذان . قلت : أخذه من كلام النووي ، فإنه قال : هذه الكلمة تقال في نفس الأذان ، ويرد عليه حديث ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، الآتي في باب الأذان للمسافر : إنها تقال بعده ، ونص الشافعي على أن الأمرين جائزان ، ولكن بعده أحسن لئلا ينخرم نظم الأذان . وقال النووي : ومن أصحابنا من قال : لا يقول إلاَّ بعد الفراغ . قال : وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس . قلت : الأمران جائزان ، وبعد الفراغ أحسن كما ذكرنا ، وكلام النووي يدل على أنها تزاد مطلقا إما في أثنائه وإما بعده ، لا أنها بدل من الحيعلة . قلت : حديث ابن عباس لم يسلك مسلك الأذان ، ألا ترى أنه قال : فلا تقل : حي على الصلاة ، قل : صلوا في بيوتكم ، وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم للعذر ، كما فعل في التثويب للأمراء وأصحاب الولايات ، وذلك لأنه ورد في حديث ابن عمر : أخرجه البخاري ، وحديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في ( الكامل ) أنه إنما يقال بعد فراغ الأذان . 11 ( ( بابُ أَذانِ الأعْمَى إذَا كانَ لهُ مَنْ يُخْبِرِهِ ) ) أي : هذا باب في بيان أذان الأعمى ، إذا كان عنده من يخبره بدخول الوقت ، يعني يجوز أذانه حينئذ ، وما رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى ، محمول على ما إذا لم يكن عنده من يخبره بدخول الوقت ، ونقل النووي عن أبي حنيفة : أن أذان الأعمى لا يصح قلت : هذا غلط لم يقل به أبو حنيفة ، وإنما ذكر أصحابنا أنه يكره ذكره في ( المحيط ) وفي ( الذخيرة ) و ( البدائع ) : غيره أحب ، فكأن وجه الكراهة لأجل عدم قدرته على مشاهدة دخول الوقت ، وهو في الأصل مبني على المشاهدة .